مرحبا بك

أنت على مدونة الشاعرة والأديبة المغربية مريم الوادي

تفضل قم بجولة بين عناقيد الروح، واترك أثرك ..

الجمعة، 21 أكتوبر 2011

أريد دبابة


هل العيد..
ازدحم المواطنون
أمام الدكاكين
وعند الجزارين
والعطارين
قالت أمي:
سأشتري لك يا أحمد لعبة
وشوكولاطة حلوة
أمسكتني من يدي
وحثت الخطى على سوق الألعاب
قالت :
هذا مسدس مائي
وتلك
ر
شا
شة
هذا صاروخ
محدود المدى
وتلك بندقية
ولكن
بلا
ر
صا
صه
فماذا تختار يا أحمد ؟؟
تلك
قيتارة
وذاك كمان
وذي
ر
با
به؟؟
همست لها خافتا:
أريد
د
با
به
غطت فمي بعصابة:
 صه يا أحمد
 وحذرت بالسبابة


مريم الوادي

الأحمر المسافر

الأحمر المسافر..


أيها الأحمر المسافر بين المدافع
وأصوات الرصاص..
يستيقظ في القلب وجع الفراق
تسلل أورورا-1- لتقبل جباه الثوار
وينزل القمر مستديرا ليمسح نزف النهار
ويكتب أسماء الملائك على وجه السماء
تصرخ ثدي الرضيع الذي نام تحت رمادك
أيها الرصاص
كم اكرهك ايها الرصاص..
كم أكره نحيب اليمام..
تطارده زغاريد النساء..
أكره تهامس الطواحين
في غمرة الاشتعال
واليوم أتيم بسلاسل الانعتاق
أسكن الغيمات الراقدة في أفق الانتظار
أرى النوارس تحتفي بالرند وشقائق والنعمان
وأجرام السماء تراقص بواريد النحاس
ماعدت اليوم وحدي
معي قيثارة مجنحة تتأرجح بالالوان
تحفظ كل الوجوه وكل التفاصيل
كالمرآة
معي اناشيد وشطحات تلبس ياقة بيضاء
ها قد صارت للتاريخ أيها الأحمر المسافر
ذاكرة خضراء
تنبت زهيرات الفل بين شفاه الشهداء
ويورق الياسمين في ذكراك على شرفات الماء
+++++++++
مريم الوادي
-1-أورورا : ربة الفجر



هبني وطنا

هبني
و
ط
ن
ا

هبني وطنا أوسع من حضن أمي
وطنا لايرميني الى أرصفة الخبز وأنا ابن عام
ولا يقصيني من ثدي لم أشبع بعد من لبنها
هبني وطنا لا يرعبني بأمي الغولة
ولا ينيمني على حدوثات سارق الأولاد
هبني وطنا أوسع من صينية الكعك
وأدفأ من كؤوس الشاي
وأبهى من حقول النعمان
هبني وطنا لاأمشي فيه حافيا
عاريا
جائعا
مهزوم القسمات
هبني وطنا لا أتسول فيه
لا أدس رأسي في قماماته
لاأطأطئ فيه هامتي لطربوش
ولاأركع فيه لحذاء
هبني وطنا أحبه
وأفتح صدري للبنادق في سبيله
هبني وطنا مغسول الوجه
مرتب الثياب
حلو البسمات
وطنا يستيقظ باكرا
ويشق طريقه الى البيادر والمعامل والمرافئ والطرقات
وطنا يسهر حين أنام
ويحرسني من سارقي الأحلام
هبني وطنا لا يقسم ظهري بالهراوات
لايناديني ياحمار
ولا ينكل بي في الشوارع والطرقات
هبني وطنا لايسرق قمح حقولي
لا ينهب خضار بساتيني
ولايقطف عنب الدوالي وفواكه الشجيرات
هبني وطنا لايبيع السمكات حبلى
ولايقايض بصغار المحار
هبني وطنا حلو المذاق
لما أمرر لساني على خده لا يغشاني المرار
وطنا حنونا
عطوفا
يخشى علي
ولما أمرض يسهر الى جانبي
ويضمد حماي
وطنا يسعفني من الحرائق والاختناق
ويحميني من اللصوص والاغتصاب
ويفتديني حين أعرض في المزاد

هبني
و
ط
ن
ا
يحبني

أهبك ما لاتتصور من الأشياء

مريم الوادي
مايو 2011





لما يغضب

 
لما يغضب..
يصرخ يهدر
يمزق ويكسر

يزرعني صخورا ومحار
يقذفني على رصيف الروح
نخيلا واعصار
تنبت في القلب رياحين حزينة
وشقائق نعمان
تنطفئ في الكف شموس كثيرة
وتنوح أقمار نيسان
=====
لما يصفو ..
يبتسم ينحدر
يحنو ويعتذر
يفتحني بابلا أخرى بأقواس قزحية
تتلون أصابعي بين كفيه النارية
تتأبطني شقاوته والضحكات الشيطانية
فأراه في ومن حولي
وبين يدي
كرات ثلج بلورية
====
مريم الوادي
نهايات مارس 2011






 

سوسنة العشق

سوسنة العشق






حبيبتي :
لا تترددي..
هيا اخنقي الورد الذي
تمرغ ذات حب تحت أقدامك
واكسري زجاجة العشق الذي
روى ذات حب عطش سرتك
هيا اخنقي .. هيا اكسري..
ولا تترددي
فما عادت الوردات ياحبيبة ،
تحرك قلبك..
ولا عاد نبيد العشق
يثمل ثغرك..
خرافية أنت ،وفاتنة حين توقدك..
وباردة ،وموجعة لحظ صدودك..
حبيبتي :
أماتت الرغبة فيك؟ أم مت أنا؟؟
أمالت المرأة فيك ؟ أم ملت أنا ؟؟
ميلي..ميلي..
إلى حيث تشتهين،
ياسوسنة العشق الماردة..
وحين يقبل موسمي فيك
سأفتح بابي والنافدة..
وفي المساء ،
عندما يزورك الانطفاء
ويدنو مني خريف اللقاء
لا تترددي ..
واخنقي الورد اخنقي
وزجاجة العشق اكسري
ثم تحللي غبارا ،
وفراشات
واندثري
مريم الوادي
22 مارس 2010

حكايات على جبين عينيها ...

حكايات على جبين عينيها ...
============


==============





يوم ولدت قالوا أنثى
فخجلت من صرختي الزغاريد
ثلوت في عيون المهنئين تلاوينا وهمهمات
تمزقت على باب سرتي ذاكرة الأشياء ..
فمنعنتي كبريائي من البكاء ..
==============
يوم ولدت قالوا: أنثى
وارتعشت في العيون الضحكات
لم يلبس أبي سلهامه الليلكي
والخيمة الكبيرة لم تنصب
لم ترقص الجياد
وبواريد النحاس لم تداعبها أيادي الصغار
بطلت تمائم أمي ..
و تعاويذ جدتي سقطت على وجه النهار
===========
لو تتكلم المرايا وتبوح عن أسرار النساء
في مواسم الحصاد..
لو تفشي بساتين القطن وعروش التقاح
كل الحكايات..
لوتوشوش البيادر للفلاحين
و يروي الغسق للفجر
آلام الانتظار ذات مخاض..
ذات جراحات..
=========
بذرت بأحشائك ياوطني ملايين الرجال
سافرت فيك دما وحنانا
ودمعات وزعفران
وبذرتني ياوطني فيك عطشا ودموعا

ومواجع أقحوان

الليل في وطني


في باريس..نيويورك ..روما.. وشانغهاي..
وكل عواصم الدنيا..
الليل طرقات براقة وأضواء..
وحدها السيارات تعبر خلوة النوام
تتجدد الخلايا
وتكبر الأحلام
والليل في وطني
عهار
وصالات قمار
تطرح الشوارع
أطفالا ليسوا كالأطفال..
يبعثون من رحم الشقاء..
يتسكعون على الطرقات..
يطلقون الصرخات..
يكسرون زجاج السيارات..
وقبل طلوع الصباح
يندثرون على الأرصفة
ويموتون كالفراشات..
**********************
الليل في وطني..
اختلاس وخروقات
سماسرة عذارى ومومسات..
قطط تموء..
كلاب تقلب القمامات..
صبية ترقص فوق بقعة حمراء
وعلى رأسها ..
تسقط الورقات تلو الورقات
وبين الورقة والورقة..
تهتك في وطني
وردات
****************************
مريم الوادي
أواخر مارس2010





في المساء


في المساء..
عندما يخنق الرمادي ضوء النهار
أهرع نحوك ياظل أهرع
ألتقط الباقي من الصبح وأسرع
أسرع في شم الأخير من عبقك
لأن الخريف يطاردني ويطاردك
فلملم صحبتي الباقي من الصبح

ودع زنابق العشق تتفتح

في المساء..
عندما يحضن اليمام حبيبته
أغمض عيناي ..

أفتح نحوك جناحاي..
 
أطارد طيفا سكن عيناي..
   أتلمس..
أتحسس..
فتضيع مني يداي


في المساء..
عندما يطردني وطني
أسافر نحوك..
أطوي قصائدي كلها
كي أكتبك..
أخلط ألواني كلها
كي أرسمك..

ما أبهاك ..
تسامر الحرف في انتشاء
تغوص في لذة البوح
تتمرغ على صدر القصيدة
وأنا الشريدة
فيك شهيدة

عمت مساء أيها الحرف

عمت مساء أيها الحرف..
ها أنت تسكن الأصابع كالجنون الأصفر
وترمي بكل الهوايات الى حوافي الصمت
ها أنت تحتكر العمر لك وحدك
وتستبيحني لك وحدك

********
عمت مساء أيها السطوة المقتدرة
لم تلاحقني كشيخ رهيب ؟؟
أعتزل فتستيقظ بداخلي
ككرة النار الحارقة تستيقظ بداخلي
تلهب مشاعري
فأتوه بين مجرات الكلام
تتقاذفني كواكب البوح
وتغزلني مجرات الهذيان
خيوطا من وهم لمساء عابر

*****************
عمت مساء أيها العجائبي
المدور المحفور
ها أنا أتوسدك مخدة لوجه غائب
وأشربك قهوة لصباح يطل برأسه من شرفه العمر
ليسقط في حجر النهار على مضض
***********
عمت مساء أيها الأخضر الممتد
في الوعي واللاوعي..
خذ ما تبقى من الدمع نافورة لعطشك
و جثت الكلمات المدحورة
خذها وليمة..
وهاتني لحظة مطاوعة
أكتبك فيها كما أشتهي..

********************
أيها الحرف
كن بخير





لا تذكار لي

الى العزيزة كوثر مصباح
مع باقة حب
 
 
هناك..
على الربوة الكبيرة
جنب المنحدر
غازلنا المنازل
وعانقنا قلوب الشجر
لا ضوء اليوم يصحبني
إلى المرفأ القديم
لا عطر يقودني
إلى موعدي المنتظر
إلى الربوة الكبيرة
جنب المنحدر
للحائط القديم قبلة الوداع
وللزقاق الوجع
والنسيان
والسفر
ها أنت ترحلين مع الريح
كحكايات المواسم
تسافرين مع الصهيل
والحناء والأهازيج
كالزغرودة تنتحرين
بين السواك والعقيق..
 ومناجل الحصادين..
ها أنت كالفرس المجنونة تموتين
بلا بكاء

بلا نزف

بلا أنين


ولا تذكار لي تتركين


مريم الوادي

جدتي وطقم أسنانها : وشم في الذاكرة

جدتي وطقم أسنانها : وشمان في الذاكرة


الإهداء:
إلى التي تشرق صورتها في قلبي كما الشمس
إليك يا جدتي ..
************
كنا خمسة أطفال أبناء عمومة،تتراوح أعمارنا بين الثامنة والعاشرة ، نلتقي خلال العطلة ، في بيت جدي بالقرية الممتدة بين سهول" تادلة" الغراء، والمنقوشة ،على ضفاف أجمل باحة من باحات ذكرياتي..
كنا صغارا، نعدو فلا نكل ،ونلهو فلا نمل ،نتسلق الشجيرات،ونغمس أقدامنا في وحل أمنا الأرض،كأننا نأخذ كفايتنا من الحب، ونطفئ ظمأ الشوق إليها، نتيه بين مزارع الفول، والسمسم ،والقطن ،والشمندر..نلتهم مايصلح منها للالتهام كالجراد، وندفن النفايات تحت التراب ،كي لا يكتشفها عمي مصطفى، خلال جولته التفقدية في المساء..
كان الفضاء لا يتسع إلا لصرخاتنا ،وهي تعانق شدو الطيور،كنا نحلق بأجنحتنا بعيدا فنعانق السحاب، نعانق الشمس، ثم نسقط على العشب الوثير، نقهقه كما العنادل..صور عزيزة تمر أمامي بكل تفاصيلها كما الشريط..
وكانت جدتي" زهرة" زهرة في بستان طفولتنا ، وعلامة مميزة في مسار ذكرياتنا، تخرج رقعتها الصوفية وسبحتها ،وتجلس تحت الزيتونة، زيتونتها، والويل لمن سولت له نفسه التبول تحتها، أو مجرد اللهو بقربها ،كانت زيتونة موقرة ،وقار وجهها الحبيب..
كنا نرتع نرتع ،وحين نتعب، نتحلق من حولها ،لأخذ استراحة قصيرة، فتملي علينا أفكارا وخططا للعب ،وتارة أخرى تحكي ألوانا من طفولتها، فتتنهد تنهيدة عميقة:إيه.. لولا العجز لكنت ركضت بينكم، وسبقت أسرعكم. ولكنت اختبأت بين الحشائش، ولم يجد لي أثرا ذكيكم..لكن سرعان ما نتفرق من حولها ،منطلقين إلى عالم أرحب من عالمها..
وكان لجدتي طقم أسنان، وكان هذا الأخير علامة أخرى من علامات طفولتنا ،وشامة من شامات ذكرياتنا..
كان الطقم يضيع منها، فتسخرنا للبحث عنه ،وتخصص للذي يجده بيضة .
نتسابق في رحلة البحث عن طقم جدتي، نركض في كل الأرجاء التي قد تكون مرت منها- وهي تدب كالسلحفاة-
فنسمعها تقول:ياعفاريت،لا تركضوا بقوة ،قد يتكسر الطقم تحت أقدامكم .
نتلطف قليلا ، ونصير نمشي على رؤوس أصابعنا ،خوفا على الطقم النفيس ..
وبينما نحن مشغولون بالبحث، إذ نسمع صوت خالد وهو يصيح:جدة جدة هاهو لقيتو ورا الدار..
نعود أدراجنا مهزومين ،خائبين ،وقد ضاعت البيضة منا.
نولي وجوهنا ناحية زيتونة الجدة ، فنراها وقد استلقت على جنبها ،وغطت في نوم عميق ،بينما خالد يمد لها الطقم ويزحزحها من كتفها: جدة جدة فيقي هاهو لقيتو..
عبثا حاولنا إيقاظها ،بقيت وخالد بجانبها، بينما ركض الآخرون نحو الدار لنقل خبر نومها.
ظلت جدتي وشما في الذاكرة ،وظل طقمها المخبأ تحت السرير ،في صندوقة والدي، وشما آخرا يؤكد لي خبر موتها.

مريم الوادي


ديسمبر2009





من يسرق ورود الأحلام ؟

من يسرق ورود الأحلام ؟


كان أبي بستانيا ،يعتني بورود وأزهار حديقة أحد الأعيان..
وكنا نسكن كوخا صغيرا بجوار حديقة القصر ،حتى يتسنى لأبي حراسة الحديقة ليل نهار..
وعند عودته من الحديقة كل صباح ،كان أبي يحكي الكثيرمن الغرائب عن ورود تسمى بورود الأحلام ..
وهي ورود تحاط بعناية فائقة من صاحب الحديقة ،حيث يعين لها طبيبا نفسيا ،وممرضة ،وحارسا إضافيا، ويحيطها بأسلاك كهربائية..
يحكي أبي أن الرجل وزوجته وأبناؤه ،يأتون الحديقة كل صباح ،ووجوههم يغشاها الوقار والتيمن ،يقفون في طابور أمام ورود الأحلام ،ويؤدون صلاة معينة ،قبل إنطلاق يومهم .
بعضهم يبكي ،و البعض الآخر يبتهل، و آخر يسجد أمام ورود الأحلام ،
ومنهم من ينحني ويوشوش في أذنها الأمنيات..
يوما بعد يكبر إعجابي بهذا المخلوق العجيب ،الذي تؤدى له الصلوات كل صباح، والذي يوزع الأحلام ويحقق الأمنيات ..
ويوما بعد يوم يزداد فضولي، وأسخر كل تفكيري لطريقة تمكنني من الظفر بوردة ،وردة واحدة من ورود الأحلام..
لقد كان محضورا على أبناء البستاني ولوج الحديقة ،أو اللعب بجوارها ،وكان محضورا على البستاني إطلاع أبنائه على مايدور في الحديقة من أسرار..
حاولت بكل الطرق والحيل إقناع أبي بأن يحضر لي وردة من ورود الأحلام -عفوا بأن يسرقها لي - لكنه رفض خوفا من الطرد والسجن.. خوفا من فقدان هذا المنصب الهام..
أصبت بالحمى ، وسقطت طريحة الفراش ،ولم ينفع معي دواء ولا أعشاب..
شخصت أمي الحمى بأنها حمى ورود الأحلام ،التي لم تطلها يداي، وبكت وتوسلت إلى أبي كي يسرق وردة قبل فوات الأوان..
وفي غمرة الحمى ،لمحت أبي يمدني وردة متلألئة ،حمراء صفراء ،بنفسجية زرقاء ،وردة اختلطت فيها كل الألوان..
مددت يدي لآخذ الوردة ،وقبل أن تلمسها يداي، ارتفعت الوردة وحلقت في الهواء ،ثم شقت طريقها كنيزك وانطلقت من باب الكوخ.
تبعتها أسرع الخطى، أنفض الحمى، أسابق الأحلام، فرأيتها تنتصب عائدة إلى غصنها الذي قطفها منه أبي- عفوا الذي سرقها منه أبي -
وفي كل مرة تعاودني الحمى ، كان أبي يسرق لي وردة ،وكانت الوردة ترفض أن تلمس يداي وكانت ترتفع ،وتطير كنيزك في السماء..
أتبعها أسرع الخطى، أنفض الحمى، أسابق الأحلام ،وأراها تعود وتنتصب في غصنها هناك..
ويوما بعد يوم ،وحمى بعد حمى ،ومحاولة بعد محاولة،أيقنت أن للورود حارسا خفيا ،يتبعها ،ويعيدها إلى مكانها ،إن هي زاغت ،وحاولت ،أو فكرت، في تحقيق أحلام لغير أصحاب الأحلام.
مريم الوادي



خبز العيد

خبز العيد





كلما مرت تلك الذكرى الصغيرة من أمامي ، تفتحت في الطفولة من جديد ،وحدها يدا أمي كانت تصنع للعيد فرحته وتسوقها إلى قلوبنا الصغيرة على أطباق المحبة والحنو..
تستيقظ مع تراتيل الفجر ،تشعل نار الموقد و تضع قدر الماء الكبيرة المفحمة فوقها ،وتنفخ تحتها بزفرات ثلاث أو أربع، لتتقد أعواد القطن الباردة ،وتلتهب روثات البقرة الصفراء ،
ومع بدايات الصباح الأولى تدفع أمي باب العلية علينا حاملة معها شعاعات الشمس البلورية .
ترفع عنا البطانيات ،تقرع كفا بأخرى،وتهتف بصوتها العسلي :استيقظوا فاليوم عيد..
كنت أصغر إخوتي وكان النوم يغالب جفوني، فلا أقوى على الامتثال لندائها بنفس سرعة إخوتي الكبار. أمسح بأصابعي العمش الملتصق بالرموش ، وأفرك عيني الصغيرتين لأطرد عنهما النعاس، أفتحهما فأجدها قبالتي تغازل الصبح على فرشتي ،وتهديني تغاريد الصباح ، تمطط جسدي بيديها ،تفتح كفي وتقبل لون الحناء الشفقي وهي تدندن :مبروك العيد يا لالا ، تعيدي وتعاودي ،ونشوفك عروسة ..
إن شاء الله ..
وما إن تنتهي طقوس الإستيقاظ ،حتى تبدأ دورية الاستحمام ، كل من في البيت يستحم صبيحة العيد
تقول أمي بأن في ذلك بركة، وخلاص للأجساد من الكسل والمرض..
تفرغ القدر الكبيرة وتملؤها أمي تذهب وتجيء على عجل، بين المطبخ و الحمام القصبي المنصوب في ساحة البهو ، مشمرة على ساعديها ،رافعة تلابيب قفطانها في حزامها ، والسروال القصير المطرز بالأخضر يمنحها رشاقة وسهولة في الحركة ،بينما صوتها لا ينفك يحلق معها :أحمد لا تنس فرك رجليك بالصابون ،فاطمة كسوتك البرتقالية وحذاؤك البني فوق الكرسي ،سعيد لا تلمس الكعكات فهي معدودة وكل ناقصة ستسقط من حصتك .. تدب في المنزل حركة غير عادية ..
هذا يبحث عن قميص وذي تبكي لأن زر الفستان سقط ،وذاك ينفخ شدقيه لأن السروال فضفاض ،وتلك تطلب العيدية قبل الإفطار..
أما أنا فكنت أبقى ملفوفة في فوطة الحمام الكبيرة إلى حين فراغ أمي من متاعب أولئك المشاغبين الكبار. أحضن قميصي الأحمر، وتنورتي الموردة ذات الطيات المجنحة الكثيرة . أدور أدور وأنا البسها كاني أركب أرجوحة كهربائية تحملني الى سماء بعيدة لا تنتهي.. فتغار مني كل القرينات ..
كنت أفرح بالعيدية كثيرا عيدية نجمعها من الجيران والأقارب الذين يزوروننا في أول العيد ،ويقضمون الرغيف المقلي والقطائف المعسلة على عجل ..لأن طواف المنازل مايزال في بدايته ..
لكن كانتفرحتي أكبر وأنا أقبل خبز العيد ، ذاك الخبز الاسفنجي الأبيض ،المعجون بالكراوية وحبة البركة ،المدهون بصفار البيض ،والمرشوش بالسمسم .. كم أحبه لكن أمي لا تعده الا كل عيد ،والعيد لايأتي الا مرتان في السنة، لذا أحاول أخذ قسطي الوفير من حبه واشباع رغبتي الكبيرة من لذته ..
كانت له رائحة مميزة تنبعث في كل أرجاء البيت وتظل تسكن الدولاب ،والأغطية ، والمخدات مدة طويلة بعد العيد.. لونه الأصفر الذهبي مايزال يهز ذاكرة بطني الطفولية ويهدهد في الحنين ..
طوال يوم العيد لا أجلس الى طاولة طعام، ولاأشتهي لحما ولاخضارا ولافاكهة ، ألعب مع رفيقاتي وأركض ،أسقط وأقوم ،أشاغب وأشاكس ،وأنا أحمل في اليد كسرة خبز بيضاء ،ألوكها باستمتاع وتعطر فيي نسماتها الزكية ولما يجف حلقي، أركض الى خابية الماء ،أغرف منها بكأس الفخار المطلية بالقطران ، فتزداد شهيتي لكسرة أخرى من خبز العيد..
ومع غروب شمس العيد تدخل العصافير الى أعشاشها ،والدجاجات تمتطي عروشها ،ويسوق الرعاة الأغنام الى الزريبات ،وتخرج النسوة بحثا عن أطفالهن بين الدوالي والكروم ..
عشيتها وجدتني أمي تحت التوتة الكبيرة نائمة ،أفترش منديل الغميضة،وأمسك بأصابعي على كسرة من خبز العيد .
مريم الوادي
20 أبريل2011

الخميس، 20 أكتوبر 2011

وجه مستعار

وجه مستعار

في صناديق جدي الحديدية ,وبين مناديل جدتي الحريرية ,فوق الدولاب القديم حيث رتبت أمي المخدات والبطانيات الصوفية ,وفي البيدر القديم حيث لعبنا الغميضة ,خلف هديل الحمام الأبيض الذي سرقنا بيضاته, وكسرناها بحثا عن الحقيقة..
بحثت عن وجهي في كل مكان ..
دفنت رأسي في حضنك ,وبكيت طويلا على ركبتيك ..
كم كانت يداك باردة ليلتها , لم تمديها نحوي ,لم تتحسسي وجهي, ولم تدعكي فروة رأسي بأصابعك كما أحب..
سحبت ركبتيك من تحتي , واختفيت في الردهة المظلمة, ليسقط رأسي على رصيف الحزن من جديد..
ليت الأحزان تقبلني شقيقا لها ,فقد ضافت دروب الفرح بي, وطردتني خارجها الأمنيات, وبت مجهول الهوية ,مستعار الوجه من دونك..
كلما ضاقت بي الفضاءات أمد راحتي اليك, تقبلينها ,فتمحين بقبلتك كل السيئات..
تغفرين كل المعاصي ..
وتتجاوزين عني كل الهفوات..
وها أنت اليوم ترحلين .. وتتركين وجهي مستعارا بلا تفاصيل ..تتركين قلبي أجوفا بلا ذكرى .. وتتركين البيدر القديم مهجورا الا من صدى صرخاتك الطفولية.. ورقصاتك البهلوانية ,وشغبك اللذيذ..
مريم الوادي
فبراير 2011

مريم قصة تكتبها القصيدة وتحكيها خيوط الشمس

مريم قصة تكتبها القصيدة
وتحكييها خيوط الشمس
الجزء الثاني
لو جردنا المرأة من كل فضيلة لكفاها فخرا أنها تمثل شرف
الأمومة  جوبير
 


مازلت أرقب فيها الطفلة
أرقب فيها القد الصغير، وخد الحرير
أرقب فيها تعاقب الفصول
وعيون الفضول
أرقب فيها كل لذيذ وموجع
تفتحت الطفلة الزهرة وبلغت من العمر عشر سنوات، وتفتقت فيها المواهب..
عشقت مريم كل ما يتعلق بالدواخل والوجدان
كل ما يصور الانسان
كلما قال المعلم: ارسموا لوحة حرة
ضحك الأصفر: وقال هيت لك
تداعب مريم الأصفر وترسم الشمس
شمس مريم تكبر بكثير شمس الكون
خيوطها تمتد خارج ورقة الحاضر لتعانق المستقبل..
كانت تلك لوحتها المفضلة :شمس وطفلة تمسك الشعاع..
فهل كانت مريم تدرك معنى لوحتها؟؟
قضيب حديدي ينقر سكة محراث قديمة..
كان ذاك صوت الجرس المعلق على شجرة الكاليتوس وسط الساحة الواسعة..
انتهت فترة الصباح ،
لملمت مريم ألوانها الشمعية ،وكراسة الرسم..
وخرجت لقضاء بين الفترتين ،في فضاء يحتل حيز الربيع في قلبها..
تحت الصفصافة الكبيرة خلف المدرسة..
هناك تنتظرموعد الحلم من جديد..
لطالما رجوتها في صمت وأنا أرقبها:
العبي يامريم وارتعي كما صديقاتك..
لكنها لا تفعل..
وتكتفي بمشاهدة الأخريات وهن تحلقن، ترقصن، وتقفزن، وتتخاطفن كسرات الخبز وتتراشقن بقنينات الماء..
تضحك من أفعالهن وتداعب حزام فستانها..
كانت تسبق سنها..
بداخل الطفلة امرأة ،وبداخل المرأة كومة أشجان..
مريم لا تأتي هنا إلا لشيء واحد
لا تقطع كل تلك المسافة إلا لشيء واحد
وهي بانتظاره الآن..
فمتى يدق جرس الدخول وتعانق مريم صدر طاولتها؟؟
رغم كلاب الطريق ، رغم قساوة الشتاء، ورغم الخوف في ظلمة المساء ..
تفوقت مريم وكانت الأولى دائما ..
رغم تأخرها عن الحصص، هذا التأخر لم يزدها إلا ألقا وتقدما وإصرارا على الوصول..
كانت تترقب السبت بفارغ الصبر..
لأنه موعد اللقاء بأعز وأحب الحصص:حصة الانشاء ،حيث تبدع مريم وتمتع
تنتظر دورها، يمدها المعلم ورقتها :
تسعة من عشرة يامريم ممتازة جدا وستقرئين موضوعك ككل مرة تفضلي مريم
ترتعش فيها الطفلة ،وتكبر فيها المرأة.
تقف أمام زملائها وقدها الصغير يكبر بحجم ماتقرأ وكيف تقرأه..
تتشبت بها العيون
مزهرية عشق واقفة
وتتلو مريم آياتها حول الأم :
أمي واختلطت فيك الأشجان
أمي واحترقت فيك الأحزان
أمي حب وحنان
أمي عصفور رنان
عشق أبدي أنت
كلما نظرت في عينيك رأيتني
لا أحد يسكن عيناك سواي
أعلم ياأمي أنك فضلتني على كل عشق
واخترت البقاء لي وحدي
كرست زهرة عمرك لي
اخترت العناء كي لا أشقى
أعلم يا أمي ماتخفين
أسمعك ليلا وأنت تبكين
في صمت وتكتمين
أتحسبينني لا أراك؟؟ لا أسمعك؟ لا أحسك؟؟
كم أنت جميلة ياأمي لكنك لست محظوظة في الحياة تمزقت فيك المرأة والأم
وطالك الغدر وجرحتك الخيانة
حملت حقيبتك أمسكتني من يدي
وتركت الباب مفتوحا خلفك
ليدخل مكانك من يشاء

واخترت ان تكوني معي ولأجلي
مريم أغنتك عن كل الملذات
وحصرت فيها الأمنيات
أمية أنت
تجهلين الحروف نعم
لكنك تثقنين لغة العطاء
وفن الحنان
وختاما ياأمي :هاته الصفحة لا تسع حبي لك و هاته الأسطر القليلة لا تكفي لأبوح بعظمة ما في القلب نحوك ..
أمي يازهرة عمري
لا تبكي بعد الآن
واستمري في سقي الوردة بداخلي من جمال روحك وسمو عزيمتك كي أستمد منك النجاح والاستمرار..
انهت مريم قراءتها
اختنقت العبرات في صدرها
فاضت الدمعات من عيون اصدقائها
وانتحب المعلم مصطفى تأثرا برسالتها
وعسل صوتها
وتعالت التصفيقات
وحلقت مريم في حدائق الوجدان
وجدان كل من رآها تقف، و سمعها تتلو.

مريم قصة تكتبها القصيدة..وترويها خيوط الشمس الجزء الأول

مريم قصة تكتبها القصيدة..
 وترويها خيوط الشمس
ربما آن الأوان لأكتب قصة مريم
التي راودتني ذات حلم
******************************
 
 
 
 
 

في تلك الأعوام القاسية
حين كان المطر يسقط بغزارة
حين كان الرعد يزلزل المنازل
و الخوف يتسلل إلى قلوب الأطفال
فيهرعون إلى الاختباء في وجل
كنت أنا ،أراها
وارقبها في خوف وفضول
كانت تركض ،وتسقط ،فتنهض وتقاوم..
ككرة ثلج صغيرة تحركها الريح
وتتقاذفها في كل الاتجاهات
معطف أحمر..
خصلات شعر شقراء تطل من تحت منديل شعر ملون..
أصابع جمدها الصقيع..
محفظة ظهر مبللة..
حذاء يعلق بالوحل..
ومظلة وردية كسرت أعوادها الرياح..
تتحرك مريم على الطريق الطويل الموجع نحو المدرسة
وكلما اقتربت دفعتها الريح بعيدا ،وأرجعتها خطوات إلى الوراء..
ليست الريح وحدها من كان يقطع الطريق إلى المدرسة على مريم..
ويعيدها إلى الوراء
وليس المطر وحده ولا سيول الماء..
حتى الكلاب الشاردة كانت تحب معها اللقاء
تشتم رائحتها
فتقف في جولة قرصنة على قاعرة الطريق منتظرة مرور مريم..
هل تعلمون ماذا كانت تخبئ مريم للكلاب؟
راقبتها ذات صباح ،حين اعترض كلب العمة عائشة طريقها ،جثت على ركبتيها الصغيرتين ،واخرجت من محفظتها قطعة خبز وبيضة
كانت تلك وجبة غذائها منحتها في سخاء،عربون صداقة واتقاء ..
ومنذ ذلك الحين وهي تربط علاقات حميمة مع كل الموجودين في طريقها..
من بشر وحجر وحيوانات ووردات..
تتلون مريم على طريق المدرسة كالفصول
تارة تغدو وردة حمراء
ومرة فراشة ملونة
وأخرى ورقة توت صفراء
تلوح في السماء
وفي قسوة الشتاء
تغدو مريم كرة ثلج بيضاء..
وفي الحر يموت الثلج
ويغدو عطشا
ترويه مريم بماء الأمنيات..
تجري مريم، تسابق الريح ،وتكسر بذراعيها الفضاء،
لتبلغ طاولتها..
حيث يشتعل الحلم كل صباح..
وهي تدخل الفصل ينظر إليها المعلم مصطفى وعيناه تفيضان بالأمل:
مريم كيف الحال؟ تأخرت قليلا
هل اعترضت سبيلك الكلاب؟؟
تحرك مريم رأسها أن نعم
وتجلس وعيناها الصغيرتان تلتقطان كل جديد فاتها على السبورة
تاريخ اليوم ،عنوان الدرس ،بعض مفردات الشرح
لا تريد مريم أن يسبقها أحد رغم تأخرها
تريد أن تكون الاولى دائما
فهل تنجح مريم في سباق الحلم ؟؟
الذي بدأته منذ خروجها ،فسقوطها على الطريق ،فتبلل معطفها ،فنزول الدمعات البريئة على وردة خدها..؟؟
هل تنجح مريم في اصطياد فراشة الحلم المزركشة ؟؟
التي ضاعت منها هذا الصباح في مرج الماء؟؟
هل تنجح مريم في سرد قصة كتبتها القصيدة لترويها يوما خيوط الشمس؟؟

مات جدي.. مات الحصان

مات جدي ..مات الحصان..
 


مضى زمن وأنا أراود هاته القصة ..
حاولت كتابتها أكثر من مرة
لكنها لا تخرج كما أحببتها
بعض القصص تتمنع ..
وبعضها الآخر يرفض الخروج ..
ويفضل البقاء بين الضلوع..
قصتي هاته تحاكي الوجع ، وتفتح في الصدر ألف حكاية وحكاية من حكايات الألم والفراق..



كان القمر قد توسط قبة السماء ،والصيف قد ملأ البيادر بحبات القمح الذهبية ، اجتمع الرجال في ساحة القرية ،قرب دكان المعطي بائع التموين ،رجل قصير القامة ،بكرش صغيرة منتفخة، وصلعة تغطيها طاقية بلدية صفراء..
كان يقلب الدراهم وجها وظهرا ،ويتحسسها كالأعمى بأطراف أصابعه ،قبل أن يضعها في الدرج ،ويغلق بالقفل الحديدي ..
كنا أطفالا نلعب الكرة بكومة الكواغيط ، وقطع الثوب ،المربوطة بخيوط وأسلاك ..تتشتت الكرة، ونعيد تكويمها من جديد ،وننطلق في ساحة القرية بمحاداة جمع الرجال، الذين ينهروننا تارة ،يمازحوننا تارة ،ويشجعوننا تارة أخرى..
لكن بين هؤلاء الرجال، لم يكن يظهر لي وجهه الوقور..
كان ينزوي بعيدا، في مكانه المفضل قرب البيدر القديم ،حيث حجرة الكلس الكبيرة ، يرقب حركة القرية من هناك ..على يمينه آنية الماء الدافئ ، وبيده سبحة خضراء ،كان قد جلبها معه من مكة المكرمة ،حين حج راجلا ..
كانت هاته السبحة تنير ليلا كأنها مصباح صغير ،وكنت أحب ملامسة حباتها واللهو بها -خفية عنه -كانت سبحة مميزة جدا ،وكنت أحس بأن نورها مستمد من نور وجه الكريم، وطهر قلبه الطيب ،وصدق ايمانه الكبير..
وكان لجدي حصان عربي أصيل، يسميه أهل الدار بالأزرق ،لم يكن أزرقا ،ولكن يبدو أن شدة سواده جعلته يتموج بين الأزرق الملكي الساحر ،والأسود الوقور البراق..
وكانت بين جدي وهذا الحصان علاقة حب غريبة ،تراها العين، ويحسها القلب ،لكن لا تصفها الكلمات .
كان يقضي صحبته أجمل الأوقات وأمتعها ، يناجيه لساعات ، ويكلمه كأنه رجل صديق..
يمد له الشعير ،والحلبة في كفه ،ويعلف الحصان حبات الشعير في أدب ،وحياء ،كأنه يستشعر كرم اليد الممدودة، وأحيانا أخاله يقبلها ،ثم يهز رأسه ناظرا لوجه جدي شاكرا اياه..
كانت لحظة استحمام الحصان ،لحظة مقدسة ،تقام لها طقوس، ويستعد لها جدي بأيام ..وكانت لحظة خروج الحصان في نزهة محسوبة بالساعات والدقائق ،ويحبها جدي بعيدا عن عيون الحاسدين من أهل الدوار..
أما لحظة خروج الأزرق للمشاركة في فانتازيا المناسبات، والأعياد ،فتلك كانت لحظة فاخرة ،وعرسا أسريا ،يبدأ بتحميم الأزرق، وتمشيط شعره المتموج البراق ،وتسريح شعر ذيله الطويل ..
مازالت أتذكر ذلك السرج المراكشي المذهب ،المرصع بحبات العقيق الكبيرة، الخضراء، والحمراء.. سرج يخطف الأنظار، وحين يوضع على صهوة الأزرق ،يصيبك بالافتتان..
كما العريس يعده جدي لكل حفل شعبي، ولكل موسم محلي ..
ولا يخرج الأزرق من البوابة الكبيرة لساحة المنزل ، إلا تحت زغاريد النساء ،وتكبيرات الرجال ،ورقية جدي له ،الممزوجة بالخوف عليه، والتفاخر به..
سقط جدي طريح الفراش،بعد أن أصابه شلل نصفي ،،فصار لا يتحرك الا محمولا على أكتاف أخوالي من الرجال، يحملونه الى ساحة المنزل حيث مربط الحصان، ويجلسونه فوق كرسي أبيض ،قبالة حبيبه وصديقة ..
فترى الدموغ تنزل من عيني كليهما ،يبكي جدي لأنه ماعاد يستطيع مد كفه المملوءة بالحبلة ،والشعير ،للحصان ،ويبكي الحصان لأنه لم يعد يشم رائحة كف سيده الكريم..
ويجلس جدي لساعات طوال قبالة الحصان، ويقف الحصان قبالة جدي نفس عدد الساعات ،دون أن يمل أحدهما من الآخر.. يفرقهما نزول الظلام ..لتجمعهما من جديد شقشقة الفجر..
وفي صبيحة يوم باكر حزين..
استفقت على أصوات نحيب وبكاء، أصوات تنبعث من ساحة المنزل ،قفزت من فراشي حافية، لأجدني في الساحة أقف مع الواقفين ، أمام كرسي جدي وقد لفظ أنفاسه الزكية قبالة الحصان..
يبكي الرجال ،وتصيح النساء ،وأنا أبحث عن السبحة الخضراء ..
وبينما الرجال يحملونه على أكتافهم الى الداخل..
سمعنا صوتا قويا كالزلزال..
لقد سقط الحصان واقفا في ساحة المنزل الكبيرة ،تمرغ مرتين ،تناثر الغبار في سماء البيت الكبير..
خرجت رغوة بيضاء من فمه ،لفظ معها آخر أنفاسه..
مات جدي ومات الحصان ..
ومذ ذلك الحين والبيت الكبير،لا يدخله الفرح ،ولا يعمه الرزق كما كان ..
مريم الوادي
أواخر نونبر 2010


الهروب.. إلى أين ؟

الهروب.. إلى أين ؟




لابد من الإنعتاق، طوق
الياسمين المسموم يلف رقبتي ،وقيود الورد الوحشي تطوق معصمي، تتراءى لي الأحلام من بعيد، ولا أستطيع اللحاق بها،تتراءى لي صورتي هناك، ولا أملك استرجاعها..

ضاعت أحلامي ،وتلاشت صورتي وأنا اخنع لهذا الحب العنيد..
التملك ،الغيرة،الحب القاتل،الاحتلال ،الالغاء..
كلمات تتقاطع بداخلي كل ليلة ،واليوم قررت الهروب، قررت فك الكلمات المتقاطعة ،وتمزيق الطوق اللعين..
أخذت قطعا من ملابسي،تأبطت مجموعة قصص قصيرة،وفي يدي قنينة ماء..
ورحت أشق طريقي بين جموع المسافرين..
محطة القطار:رحيل وسفر ،دموع وعناق ، وفرح باللقاء.
تناقضات أنت يامحطة القطار..
أتطلع في عجل إلى سبورة الرحلات ، قطار رحلتي بدأ يتحرك.
أركض بكل قواي، أستسمح هذا، وأعتذر لذاك،أتدافع وأندفع،أسابق الأحزان والأشجان ، لا أريد للشجن أن يلاحقني، لاأريده أن يركب معي نفس القطار ..
وأخيرا أخذت مكاني ،وضعت حقيبتي على الرف ،وجلست المقعد كقوة في نهايتها.الخوف من المجهول ،من الآت ،من الغد، من الندم .. لقد سئمت الحياة كما يريد ، كما يشتهي ،أريد ان أعيش لنفسي ولو لثانية واحدة .أريد ان آكل الطبق الذي يعجبني ،وألبس الفستان الذي يريحني،وأمارس الهواية التي تروق لي،أريد أن أكون أنا ،لا نسخة منه.
يقول :عليك أن تكوني كما أحب ليتحقق الوفاق والإنسجام بيننا.
ولماذا لا أكون كما أحب ،أليس الحب حرية وانطلاقا؟؟
لماذا أقتل في الأحلام لتعيش أحلامك ؟أليس الحب أخذا وعطاء؟؟
ضبابة خفيفة تجتاح نافذتي،أ مرر كم معطفي ، وأتأمل مشهد القطار وهو يطوي خلفه آلاف الكيلومترات ،آلاف المشاهد،آلاف الشخوص،ولا يلتفت أبدا ،لا يهتم القطار إلا لمساره،يقطعه بكل ثقة ولا يرجع البثة إلى الوراء.
لقد كنت أعتب على القطار قسوته ،لكن أدركت الآن، أن القسوة تجنبنا الجراح ،أن الإنتظار يولد الألم،وأن الإلتفات إلى الوراء لا يجلب إلا الأسى.
أريد ان أنطلق كما القطار :لا أريد الرجوع إلى هناك..
مراقب التذاكر يطلب ورقتي:أمدها له في ذهول ثم أنتبه: عاشقان يجلسان قبالتي :يتبادلان القبل ،ويشابكان الأصابع ، ينسجان الأحلام،أحلام ستغدو أطلالا، وركاما من الحزن ،يعتصر قلبيهما.
أطلقت من شفتي ابتسامة حزينة ،وتذكرت صورتي وأنا أسافر معه،
كم كان السفر دافئا وقصيرا رفقته ،والآن أحسه باردا وجافا، كسحابة الخريف ،وطويلا وجارحا ،كالهروب منه.
لقد وصلت إلى مدينة الأحلام ،سأضع حدا لهذا الوضع ،تفتح قلبي للحياة،كسجين في يومه الأول من السراح..
نزلت سلم القطار،وعبرت جموع المسافرين نحو باب الخروج ،لوحت بيدي لسيارة أجرة صفراء شاحبة،كشجرة قلبي الكسير،توقف "الطاكسي" وبينما أمد يدي لفتح الباب والصعود ،إذ بيد تجتذب معطفي ،وتجرني إلى الوراء :لا هروب لك مني، سألحقك أينما رحلت ،أحبك ،هيا عودي.

مريم الوادي
ديسمبر 2009