مرحبا بك

أنت على مدونة الشاعرة والأديبة المغربية مريم الوادي

تفضل قم بجولة بين عناقيد الروح، واترك أثرك ..

الخميس، 20 أكتوبر 2011

وجه مستعار

وجه مستعار

في صناديق جدي الحديدية ,وبين مناديل جدتي الحريرية ,فوق الدولاب القديم حيث رتبت أمي المخدات والبطانيات الصوفية ,وفي البيدر القديم حيث لعبنا الغميضة ,خلف هديل الحمام الأبيض الذي سرقنا بيضاته, وكسرناها بحثا عن الحقيقة..
بحثت عن وجهي في كل مكان ..
دفنت رأسي في حضنك ,وبكيت طويلا على ركبتيك ..
كم كانت يداك باردة ليلتها , لم تمديها نحوي ,لم تتحسسي وجهي, ولم تدعكي فروة رأسي بأصابعك كما أحب..
سحبت ركبتيك من تحتي , واختفيت في الردهة المظلمة, ليسقط رأسي على رصيف الحزن من جديد..
ليت الأحزان تقبلني شقيقا لها ,فقد ضافت دروب الفرح بي, وطردتني خارجها الأمنيات, وبت مجهول الهوية ,مستعار الوجه من دونك..
كلما ضاقت بي الفضاءات أمد راحتي اليك, تقبلينها ,فتمحين بقبلتك كل السيئات..
تغفرين كل المعاصي ..
وتتجاوزين عني كل الهفوات..
وها أنت اليوم ترحلين .. وتتركين وجهي مستعارا بلا تفاصيل ..تتركين قلبي أجوفا بلا ذكرى .. وتتركين البيدر القديم مهجورا الا من صدى صرخاتك الطفولية.. ورقصاتك البهلوانية ,وشغبك اللذيذ..
مريم الوادي
فبراير 2011

مريم قصة تكتبها القصيدة وتحكيها خيوط الشمس

مريم قصة تكتبها القصيدة
وتحكييها خيوط الشمس
الجزء الثاني
لو جردنا المرأة من كل فضيلة لكفاها فخرا أنها تمثل شرف
الأمومة  جوبير
 


مازلت أرقب فيها الطفلة
أرقب فيها القد الصغير، وخد الحرير
أرقب فيها تعاقب الفصول
وعيون الفضول
أرقب فيها كل لذيذ وموجع
تفتحت الطفلة الزهرة وبلغت من العمر عشر سنوات، وتفتقت فيها المواهب..
عشقت مريم كل ما يتعلق بالدواخل والوجدان
كل ما يصور الانسان
كلما قال المعلم: ارسموا لوحة حرة
ضحك الأصفر: وقال هيت لك
تداعب مريم الأصفر وترسم الشمس
شمس مريم تكبر بكثير شمس الكون
خيوطها تمتد خارج ورقة الحاضر لتعانق المستقبل..
كانت تلك لوحتها المفضلة :شمس وطفلة تمسك الشعاع..
فهل كانت مريم تدرك معنى لوحتها؟؟
قضيب حديدي ينقر سكة محراث قديمة..
كان ذاك صوت الجرس المعلق على شجرة الكاليتوس وسط الساحة الواسعة..
انتهت فترة الصباح ،
لملمت مريم ألوانها الشمعية ،وكراسة الرسم..
وخرجت لقضاء بين الفترتين ،في فضاء يحتل حيز الربيع في قلبها..
تحت الصفصافة الكبيرة خلف المدرسة..
هناك تنتظرموعد الحلم من جديد..
لطالما رجوتها في صمت وأنا أرقبها:
العبي يامريم وارتعي كما صديقاتك..
لكنها لا تفعل..
وتكتفي بمشاهدة الأخريات وهن تحلقن، ترقصن، وتقفزن، وتتخاطفن كسرات الخبز وتتراشقن بقنينات الماء..
تضحك من أفعالهن وتداعب حزام فستانها..
كانت تسبق سنها..
بداخل الطفلة امرأة ،وبداخل المرأة كومة أشجان..
مريم لا تأتي هنا إلا لشيء واحد
لا تقطع كل تلك المسافة إلا لشيء واحد
وهي بانتظاره الآن..
فمتى يدق جرس الدخول وتعانق مريم صدر طاولتها؟؟
رغم كلاب الطريق ، رغم قساوة الشتاء، ورغم الخوف في ظلمة المساء ..
تفوقت مريم وكانت الأولى دائما ..
رغم تأخرها عن الحصص، هذا التأخر لم يزدها إلا ألقا وتقدما وإصرارا على الوصول..
كانت تترقب السبت بفارغ الصبر..
لأنه موعد اللقاء بأعز وأحب الحصص:حصة الانشاء ،حيث تبدع مريم وتمتع
تنتظر دورها، يمدها المعلم ورقتها :
تسعة من عشرة يامريم ممتازة جدا وستقرئين موضوعك ككل مرة تفضلي مريم
ترتعش فيها الطفلة ،وتكبر فيها المرأة.
تقف أمام زملائها وقدها الصغير يكبر بحجم ماتقرأ وكيف تقرأه..
تتشبت بها العيون
مزهرية عشق واقفة
وتتلو مريم آياتها حول الأم :
أمي واختلطت فيك الأشجان
أمي واحترقت فيك الأحزان
أمي حب وحنان
أمي عصفور رنان
عشق أبدي أنت
كلما نظرت في عينيك رأيتني
لا أحد يسكن عيناك سواي
أعلم ياأمي أنك فضلتني على كل عشق
واخترت البقاء لي وحدي
كرست زهرة عمرك لي
اخترت العناء كي لا أشقى
أعلم يا أمي ماتخفين
أسمعك ليلا وأنت تبكين
في صمت وتكتمين
أتحسبينني لا أراك؟؟ لا أسمعك؟ لا أحسك؟؟
كم أنت جميلة ياأمي لكنك لست محظوظة في الحياة تمزقت فيك المرأة والأم
وطالك الغدر وجرحتك الخيانة
حملت حقيبتك أمسكتني من يدي
وتركت الباب مفتوحا خلفك
ليدخل مكانك من يشاء

واخترت ان تكوني معي ولأجلي
مريم أغنتك عن كل الملذات
وحصرت فيها الأمنيات
أمية أنت
تجهلين الحروف نعم
لكنك تثقنين لغة العطاء
وفن الحنان
وختاما ياأمي :هاته الصفحة لا تسع حبي لك و هاته الأسطر القليلة لا تكفي لأبوح بعظمة ما في القلب نحوك ..
أمي يازهرة عمري
لا تبكي بعد الآن
واستمري في سقي الوردة بداخلي من جمال روحك وسمو عزيمتك كي أستمد منك النجاح والاستمرار..
انهت مريم قراءتها
اختنقت العبرات في صدرها
فاضت الدمعات من عيون اصدقائها
وانتحب المعلم مصطفى تأثرا برسالتها
وعسل صوتها
وتعالت التصفيقات
وحلقت مريم في حدائق الوجدان
وجدان كل من رآها تقف، و سمعها تتلو.

مريم قصة تكتبها القصيدة..وترويها خيوط الشمس الجزء الأول

مريم قصة تكتبها القصيدة..
 وترويها خيوط الشمس
ربما آن الأوان لأكتب قصة مريم
التي راودتني ذات حلم
******************************
 
 
 
 
 

في تلك الأعوام القاسية
حين كان المطر يسقط بغزارة
حين كان الرعد يزلزل المنازل
و الخوف يتسلل إلى قلوب الأطفال
فيهرعون إلى الاختباء في وجل
كنت أنا ،أراها
وارقبها في خوف وفضول
كانت تركض ،وتسقط ،فتنهض وتقاوم..
ككرة ثلج صغيرة تحركها الريح
وتتقاذفها في كل الاتجاهات
معطف أحمر..
خصلات شعر شقراء تطل من تحت منديل شعر ملون..
أصابع جمدها الصقيع..
محفظة ظهر مبللة..
حذاء يعلق بالوحل..
ومظلة وردية كسرت أعوادها الرياح..
تتحرك مريم على الطريق الطويل الموجع نحو المدرسة
وكلما اقتربت دفعتها الريح بعيدا ،وأرجعتها خطوات إلى الوراء..
ليست الريح وحدها من كان يقطع الطريق إلى المدرسة على مريم..
ويعيدها إلى الوراء
وليس المطر وحده ولا سيول الماء..
حتى الكلاب الشاردة كانت تحب معها اللقاء
تشتم رائحتها
فتقف في جولة قرصنة على قاعرة الطريق منتظرة مرور مريم..
هل تعلمون ماذا كانت تخبئ مريم للكلاب؟
راقبتها ذات صباح ،حين اعترض كلب العمة عائشة طريقها ،جثت على ركبتيها الصغيرتين ،واخرجت من محفظتها قطعة خبز وبيضة
كانت تلك وجبة غذائها منحتها في سخاء،عربون صداقة واتقاء ..
ومنذ ذلك الحين وهي تربط علاقات حميمة مع كل الموجودين في طريقها..
من بشر وحجر وحيوانات ووردات..
تتلون مريم على طريق المدرسة كالفصول
تارة تغدو وردة حمراء
ومرة فراشة ملونة
وأخرى ورقة توت صفراء
تلوح في السماء
وفي قسوة الشتاء
تغدو مريم كرة ثلج بيضاء..
وفي الحر يموت الثلج
ويغدو عطشا
ترويه مريم بماء الأمنيات..
تجري مريم، تسابق الريح ،وتكسر بذراعيها الفضاء،
لتبلغ طاولتها..
حيث يشتعل الحلم كل صباح..
وهي تدخل الفصل ينظر إليها المعلم مصطفى وعيناه تفيضان بالأمل:
مريم كيف الحال؟ تأخرت قليلا
هل اعترضت سبيلك الكلاب؟؟
تحرك مريم رأسها أن نعم
وتجلس وعيناها الصغيرتان تلتقطان كل جديد فاتها على السبورة
تاريخ اليوم ،عنوان الدرس ،بعض مفردات الشرح
لا تريد مريم أن يسبقها أحد رغم تأخرها
تريد أن تكون الاولى دائما
فهل تنجح مريم في سباق الحلم ؟؟
الذي بدأته منذ خروجها ،فسقوطها على الطريق ،فتبلل معطفها ،فنزول الدمعات البريئة على وردة خدها..؟؟
هل تنجح مريم في اصطياد فراشة الحلم المزركشة ؟؟
التي ضاعت منها هذا الصباح في مرج الماء؟؟
هل تنجح مريم في سرد قصة كتبتها القصيدة لترويها يوما خيوط الشمس؟؟

مات جدي.. مات الحصان

مات جدي ..مات الحصان..
 


مضى زمن وأنا أراود هاته القصة ..
حاولت كتابتها أكثر من مرة
لكنها لا تخرج كما أحببتها
بعض القصص تتمنع ..
وبعضها الآخر يرفض الخروج ..
ويفضل البقاء بين الضلوع..
قصتي هاته تحاكي الوجع ، وتفتح في الصدر ألف حكاية وحكاية من حكايات الألم والفراق..



كان القمر قد توسط قبة السماء ،والصيف قد ملأ البيادر بحبات القمح الذهبية ، اجتمع الرجال في ساحة القرية ،قرب دكان المعطي بائع التموين ،رجل قصير القامة ،بكرش صغيرة منتفخة، وصلعة تغطيها طاقية بلدية صفراء..
كان يقلب الدراهم وجها وظهرا ،ويتحسسها كالأعمى بأطراف أصابعه ،قبل أن يضعها في الدرج ،ويغلق بالقفل الحديدي ..
كنا أطفالا نلعب الكرة بكومة الكواغيط ، وقطع الثوب ،المربوطة بخيوط وأسلاك ..تتشتت الكرة، ونعيد تكويمها من جديد ،وننطلق في ساحة القرية بمحاداة جمع الرجال، الذين ينهروننا تارة ،يمازحوننا تارة ،ويشجعوننا تارة أخرى..
لكن بين هؤلاء الرجال، لم يكن يظهر لي وجهه الوقور..
كان ينزوي بعيدا، في مكانه المفضل قرب البيدر القديم ،حيث حجرة الكلس الكبيرة ، يرقب حركة القرية من هناك ..على يمينه آنية الماء الدافئ ، وبيده سبحة خضراء ،كان قد جلبها معه من مكة المكرمة ،حين حج راجلا ..
كانت هاته السبحة تنير ليلا كأنها مصباح صغير ،وكنت أحب ملامسة حباتها واللهو بها -خفية عنه -كانت سبحة مميزة جدا ،وكنت أحس بأن نورها مستمد من نور وجه الكريم، وطهر قلبه الطيب ،وصدق ايمانه الكبير..
وكان لجدي حصان عربي أصيل، يسميه أهل الدار بالأزرق ،لم يكن أزرقا ،ولكن يبدو أن شدة سواده جعلته يتموج بين الأزرق الملكي الساحر ،والأسود الوقور البراق..
وكانت بين جدي وهذا الحصان علاقة حب غريبة ،تراها العين، ويحسها القلب ،لكن لا تصفها الكلمات .
كان يقضي صحبته أجمل الأوقات وأمتعها ، يناجيه لساعات ، ويكلمه كأنه رجل صديق..
يمد له الشعير ،والحلبة في كفه ،ويعلف الحصان حبات الشعير في أدب ،وحياء ،كأنه يستشعر كرم اليد الممدودة، وأحيانا أخاله يقبلها ،ثم يهز رأسه ناظرا لوجه جدي شاكرا اياه..
كانت لحظة استحمام الحصان ،لحظة مقدسة ،تقام لها طقوس، ويستعد لها جدي بأيام ..وكانت لحظة خروج الحصان في نزهة محسوبة بالساعات والدقائق ،ويحبها جدي بعيدا عن عيون الحاسدين من أهل الدوار..
أما لحظة خروج الأزرق للمشاركة في فانتازيا المناسبات، والأعياد ،فتلك كانت لحظة فاخرة ،وعرسا أسريا ،يبدأ بتحميم الأزرق، وتمشيط شعره المتموج البراق ،وتسريح شعر ذيله الطويل ..
مازالت أتذكر ذلك السرج المراكشي المذهب ،المرصع بحبات العقيق الكبيرة، الخضراء، والحمراء.. سرج يخطف الأنظار، وحين يوضع على صهوة الأزرق ،يصيبك بالافتتان..
كما العريس يعده جدي لكل حفل شعبي، ولكل موسم محلي ..
ولا يخرج الأزرق من البوابة الكبيرة لساحة المنزل ، إلا تحت زغاريد النساء ،وتكبيرات الرجال ،ورقية جدي له ،الممزوجة بالخوف عليه، والتفاخر به..
سقط جدي طريح الفراش،بعد أن أصابه شلل نصفي ،،فصار لا يتحرك الا محمولا على أكتاف أخوالي من الرجال، يحملونه الى ساحة المنزل حيث مربط الحصان، ويجلسونه فوق كرسي أبيض ،قبالة حبيبه وصديقة ..
فترى الدموغ تنزل من عيني كليهما ،يبكي جدي لأنه ماعاد يستطيع مد كفه المملوءة بالحبلة ،والشعير ،للحصان ،ويبكي الحصان لأنه لم يعد يشم رائحة كف سيده الكريم..
ويجلس جدي لساعات طوال قبالة الحصان، ويقف الحصان قبالة جدي نفس عدد الساعات ،دون أن يمل أحدهما من الآخر.. يفرقهما نزول الظلام ..لتجمعهما من جديد شقشقة الفجر..
وفي صبيحة يوم باكر حزين..
استفقت على أصوات نحيب وبكاء، أصوات تنبعث من ساحة المنزل ،قفزت من فراشي حافية، لأجدني في الساحة أقف مع الواقفين ، أمام كرسي جدي وقد لفظ أنفاسه الزكية قبالة الحصان..
يبكي الرجال ،وتصيح النساء ،وأنا أبحث عن السبحة الخضراء ..
وبينما الرجال يحملونه على أكتافهم الى الداخل..
سمعنا صوتا قويا كالزلزال..
لقد سقط الحصان واقفا في ساحة المنزل الكبيرة ،تمرغ مرتين ،تناثر الغبار في سماء البيت الكبير..
خرجت رغوة بيضاء من فمه ،لفظ معها آخر أنفاسه..
مات جدي ومات الحصان ..
ومذ ذلك الحين والبيت الكبير،لا يدخله الفرح ،ولا يعمه الرزق كما كان ..
مريم الوادي
أواخر نونبر 2010


الهروب.. إلى أين ؟

الهروب.. إلى أين ؟




لابد من الإنعتاق، طوق
الياسمين المسموم يلف رقبتي ،وقيود الورد الوحشي تطوق معصمي، تتراءى لي الأحلام من بعيد، ولا أستطيع اللحاق بها،تتراءى لي صورتي هناك، ولا أملك استرجاعها..

ضاعت أحلامي ،وتلاشت صورتي وأنا اخنع لهذا الحب العنيد..
التملك ،الغيرة،الحب القاتل،الاحتلال ،الالغاء..
كلمات تتقاطع بداخلي كل ليلة ،واليوم قررت الهروب، قررت فك الكلمات المتقاطعة ،وتمزيق الطوق اللعين..
أخذت قطعا من ملابسي،تأبطت مجموعة قصص قصيرة،وفي يدي قنينة ماء..
ورحت أشق طريقي بين جموع المسافرين..
محطة القطار:رحيل وسفر ،دموع وعناق ، وفرح باللقاء.
تناقضات أنت يامحطة القطار..
أتطلع في عجل إلى سبورة الرحلات ، قطار رحلتي بدأ يتحرك.
أركض بكل قواي، أستسمح هذا، وأعتذر لذاك،أتدافع وأندفع،أسابق الأحزان والأشجان ، لا أريد للشجن أن يلاحقني، لاأريده أن يركب معي نفس القطار ..
وأخيرا أخذت مكاني ،وضعت حقيبتي على الرف ،وجلست المقعد كقوة في نهايتها.الخوف من المجهول ،من الآت ،من الغد، من الندم .. لقد سئمت الحياة كما يريد ، كما يشتهي ،أريد ان أعيش لنفسي ولو لثانية واحدة .أريد ان آكل الطبق الذي يعجبني ،وألبس الفستان الذي يريحني،وأمارس الهواية التي تروق لي،أريد أن أكون أنا ،لا نسخة منه.
يقول :عليك أن تكوني كما أحب ليتحقق الوفاق والإنسجام بيننا.
ولماذا لا أكون كما أحب ،أليس الحب حرية وانطلاقا؟؟
لماذا أقتل في الأحلام لتعيش أحلامك ؟أليس الحب أخذا وعطاء؟؟
ضبابة خفيفة تجتاح نافذتي،أ مرر كم معطفي ، وأتأمل مشهد القطار وهو يطوي خلفه آلاف الكيلومترات ،آلاف المشاهد،آلاف الشخوص،ولا يلتفت أبدا ،لا يهتم القطار إلا لمساره،يقطعه بكل ثقة ولا يرجع البثة إلى الوراء.
لقد كنت أعتب على القطار قسوته ،لكن أدركت الآن، أن القسوة تجنبنا الجراح ،أن الإنتظار يولد الألم،وأن الإلتفات إلى الوراء لا يجلب إلا الأسى.
أريد ان أنطلق كما القطار :لا أريد الرجوع إلى هناك..
مراقب التذاكر يطلب ورقتي:أمدها له في ذهول ثم أنتبه: عاشقان يجلسان قبالتي :يتبادلان القبل ،ويشابكان الأصابع ، ينسجان الأحلام،أحلام ستغدو أطلالا، وركاما من الحزن ،يعتصر قلبيهما.
أطلقت من شفتي ابتسامة حزينة ،وتذكرت صورتي وأنا أسافر معه،
كم كان السفر دافئا وقصيرا رفقته ،والآن أحسه باردا وجافا، كسحابة الخريف ،وطويلا وجارحا ،كالهروب منه.
لقد وصلت إلى مدينة الأحلام ،سأضع حدا لهذا الوضع ،تفتح قلبي للحياة،كسجين في يومه الأول من السراح..
نزلت سلم القطار،وعبرت جموع المسافرين نحو باب الخروج ،لوحت بيدي لسيارة أجرة صفراء شاحبة،كشجرة قلبي الكسير،توقف "الطاكسي" وبينما أمد يدي لفتح الباب والصعود ،إذ بيد تجتذب معطفي ،وتجرني إلى الوراء :لا هروب لك مني، سألحقك أينما رحلت ،أحبك ،هيا عودي.

مريم الوادي
ديسمبر 2009